الفيدرالي يطوي صفحة خفض الفائدة ويعيد التضخم إلى صدارة الأولويات

الفيدرالي يعيد التضخم إلى الأولويات

بعد اختتام اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، يشارك خبراء الأسواق وجهات نظرهم حول النتيجة وتداعياتها على السوق.

مادور كاكار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ‘إليفيت للخدمات المالية’

يمثل الاجتماع الأول لمجلس الاحتياطي الفيدرالي تحت قيادة كيفين وارش تحولاً جذرياً وواضحاً في السياسة النقدية للبنك المركزي؛ فبالرغم من إبقاء الفيدرالي على أسعار الفائدة ثابتة عند 3.50% – 3.75%، إلا أن بيان السياسة النقدية جاء متشدداً للغاية، حيث تم حذف كافة العبارات التي تشير إلى ‘النزوع نحو خفض الفائدة’، وإلغاء التوجيهات المستقبلية بالكامل.

ويكشف ‘مخطط النقاط’ الأبعاد الحقيقية للمشهد؛ إذ ارتفع الحد الوسيط للتوقعات إلى 3.8% لنهاية عام 2026 مقارنة بـ 3.4% في شهر مارس، مما يعني أن توقعات الفيدرالي نفسه باتت تشير إلى خيار الرفع بدلاً من الخفض، على الرغم من الانقسام الحاد داخل اللجنة. ولا يزال التضخم مرتفعاً عند 4.2% لمؤشر أسعار المستهلكين و3.8% لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي مقارنة بالمستهدف البالغ 2%. وأكد وارش أن التزام الفيدرالي بالوصول بالتضخم إلى نسبة 2% هو أمر ‘واضح ومحل إجماع كامل’، معلناً عن تشكيل خمس فرق عمل لمراجعة آليات التواصل، والميزانية العمومية، وتحليل البيانات، والإنتاجية، واستراتيجية التضخم؛ في إشارة واضحة للتحول من التوجيهات المستقبلية التي طبعت حقبة جيروم باول إلى سياسة تعتمد كلياً على مؤشرات البيانات.

وعلى إثر ذلك، تراجعت الأسهم الأمريكية قبيل الإغلاق، وتفاقمت الخسائر خلال المؤتمر الصحفي؛ حيث هبط مؤشر ‘إس أند بي 500’ بنسبة 1.2%، ومؤشر ‘ناسداك’ بنسبة 1.3%، وفقد مؤشر ‘داو جونز’ 507 نقاط. ويعد هذا التحرك لـ ‘ستاندرد أند بورز 500’ أسوأ تفاعل للسوق مع الاجتماع الأول لرئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي منذ عام 1994، بالتزامن مع الارتفاع الملحوظ في عوائد السندات.

حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى ‘ساكسو بنك’

جاء اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالأمس ليفضي إلى نتيجة مألوفة في الظاهر، إلا أنه حمل في طياته تحولاً جوهرياً وأكثر عمقاً؛ فقد أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى يتراوح بين 3.50% و3.75%، وهو أمر كان مسعراً بالكامل في الأسواق، بيد أن الخطاب الإعلامي المصاحب للقرار شكّل نقطة تحول واضحة بعيداً عن أي نزعة لتيسير السياسة النقدية، ليعيد ملف السيطرة على التضخم إلى الصدارة كأولوية قصوى ومطلقة.

وعززت التوقعات المحدثة هذا التحول؛ إذ ارتفع المسار المتوقع لأسعار الفائدة، في ظل تزايد عدد صناع السياسات الذين يتوقعون الآن زيادتها بمقدار مرة واحدة على الأقل حتى عام 2026، وهو ما يعكس المخاوف من احتمال استمرار التضخم لفترة أطول مما كان متوقعاً في السابق، لا سيما مع دخول عوامل الطاقة والتوترات الجيوسياسية على خط الأزمة.

وكان لافتاً للانتباه في المؤتمر الصحفي الأول للمحافظ كيفين وارش التغيير الواضح في أسلوب التواصل؛ فالبيان المقتضب وتقليص الاعتماد على التوجيهات المستقبلية يشيران إلى أن الفيدرالي يتعمد التراجع عن توجيه الأسواق، والعودة إلى نهج أكثر مرونة يعتمد بالدرجة الأولى على البيانات والمستجدات الاقتصادية. وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه يلغي آلية التوجيه المسبق التي اعتمدت عليها الأسواق طيلة السنوات القليلة الماضية، ويعيد عبء الترقب إلى البيانات الواردة. ومن الناحية العملية، لم يعد مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوجه الأسواق نحو سيناريو أساسي محدد، بل أبقى خياراته مفتوحة في كلا الاتجاهين.

وفي المقابل، تفاعلت الأسهم الأمريكية سلباً مع هذا التحول في نبرة الخطاب؛ حيث شهدت الأسواق عمليات بيع مكثفة قبيل المؤتمر الصحفي وأثنائه، ليتراجع مؤشر ‘إس أند بي 500’ بنحو 0.9%، بينما انخفض مؤشر ‘ناسداك’ بنسبة تراوحت بين 1.0% و1.4%، وهبط مؤشر ‘داو جونز’ بأكثر من 500 نقطة خلال اليوم. وعكس هذا التحرك إعادة تسعير لتوقعات المستثمرين الذين أرجأوا التوقيت المتوقع لخفض أسعار الفائدة، وبدأوا في الأخذ بالحسبان احتمالية بقاء السياسة النقدية الانكماشية لفترة أطول، أو حتى إمكانية تشديدها بشكل أكبر. ويسلط هذا التفاعل الضوء على تحول أوسع في ديناميكيات السوق؛ إذ بدأ التركيز ينتقل من دعم البنك المركزي إلى المؤشرات الهيكلية الأساسية، لتصبح الشروط المالية الأكثر تشدداً سمة ملازمة ومستمرة للمشهد الاقتصادي الحالي، وهو ما يضع مزيداً من الضغوط على التقييمات، لا سيما في القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة.

<p وبناءً على هذه المعطيات، فإن الخلاصة المستنتجة من هذا الاجتماع لا تتعلق بالقرار نفسه بقدر ما تتعلق بإعادة ضبط سقف التوقعات؛ فالاحتياطي الفيدرالي يرسل إشارة واضحة مفادها أن المسار القادم لم يعد ملتزماً مسبقاً بالتيسير، بل يظل مشروطاً بمستويات التضخم، مع ميل كفة المخاطر حالياً نحو بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بدلاً من اتخاذها مساراً هبوطياً في أي وقت قريب.

فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة ‘سنشري فاينانشال’

أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 3.50%–3.75% في اجتماعه المنعقد في شهر يونيو، غير أن النتيجة الأبرز تمثلت في النبرة المتشددة المتزايدة من قبل صناع السياسات. وأظهرت التوقعات المحدثة أن 9 من أصل 19 عضواً في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة يتوقعون الآن رفع أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل هذا العام، مقارنة بعدم وجود أي عضو يتوقع ذلك قبل بضعة أشهر فقط، مما يعكس مخاوف جادة من احتمال استمرار التضخم المرتفع رغم التباطؤ النسبي في النمو الاقتصادي. كما رفع الفيدرالي توقعاته لتضخم مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي لنهاية العام إلى 3.6% بدلاً من 2.7% في التوقعات السابقة، في حين يُتوقع أن يصل التضخم الأساسي إلى 3.3%، وهو ما يتجاوز بكثير مستهدف البنك المركزي البالغ 2%. وفي الوقت نفسه، يُتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 2.2% ومعدل البطالة عند 4.3%، مما يشير إلى أن الاقتصاد لا يزال يتمتع بمرونة كافية تتيح لصناع السياسات الحفاظ على نهجهم الحذر.

وفيما يخص دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن هذا القرار يعزز احتمالية استمرار بيئة أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول؛ نظراً لارتباط الدرهم الإماراتي بالدولار الأمريكي، مما يتطلب من المصرف المركزي الإماراتي مواءمة سياسته النقدية بشكل عام مع توجهات الفيدرالي. ورغم أن الفائدة المرتفعة قد تبقي تكاليف الاقتراض صعبة على الأسر والشركات، إلا أن الاقتصاد الإماراتي لا يزال محمياً بفضل المقومات الهيكلية المحلية القوية؛ إذ استقر مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي عند 52.6 نقطة في شهر مايو، مؤكداً استمرار النمو والتوسع، في حين سجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نمواً ملحوظاً بنسبة 6.8% في عام 2025. وعلاوة على ذلك، تسهم أسعار الطاقة المرتفعة في دعم الإيرادات الحكومية والإنفاق الاستثماري، لا سيما مع خطط شركة بترول أبوظبي الوطنية ‘أدنوك’ لتنفيذ استثمارات رأسمالية ضخمة على المدى الطويل. وإجمالاً، قد يؤدي التوجه المتشدد للفيدرالي إلى تضييق الشروط المالية بشكل طفيف، لكن النمو القوي للقطاع غير النفطي في دولة الإمارات، والملاءة المالية الحكومية، ومرونة قطاع الطاقة، كلها عوامل ستسهم في تخفيف حدة هذا الأثر.

أما من منظور الأسواق المالية الإماراتية، فإن التوقعات المحدثة للفيدرالي تشير إلى أن أسعار الفائدة قد تظل مرتفعة لفترة أطول، وهو أمر إيجابي بوجه عام لقطاع البنوك الإماراتي، بالنظر إلى قدرته على الاستفادة من هوامش الإقراض المرتفعة وتحقيق ربحية قوية. ورغم أن تكاليف التمويل المرتفعة قد تشكل ضغطاً على القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة مثل العقارات والإنشاءات، إلا أن الأثر الأوسع على الأسهم الإماراتية من المرجح أن يظل محدوداً، مدفوعاً بالنمو الاقتصادي غير النفطي المتين للدولة، والتدفقات القوية للاستثمارات الأجنبية، والموقف المالي الراسخ للدولة.

شاهد أيضاً

مجموعة سيتي المصرفية تعيّن راجيف غارغ رئيساً جديداً لإدارة الثروات في دولة الإمارات

دبي – دولة الإمارات العربية المتحدة، 18 يونيو 2026 – أعلنت مجموعة ‘سيتي’ المصرفية اليوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.